أبي حيان الأندلسي

244

البحر المحيط في التفسير

مرغوب عنه لطول الفصل بينهما ، ولأن التقديم والتأخير لا يذهب إليه إلا عند الضرورة . وقرأ الجمهور : إنها بكسر الهمزة ، وسعيد بن جبير ، وابن أبي عبلة : بفتحها ، فإما على تقدير حرف الجر ، أي لأنها ، وإما على أن يكون بدلا من الفاعل الذي هو ما كانت تعبد . قال محمد بن كعب القرظي وغيره : لما وصلت بلقيس ، أمر سليمان الجن فصنعت له صرحا ، وهو السطح في الصحن من غير سقف ، وجعلته مبنيا كالصهريج وملئ ماء ، وبث فيه السمك والضفادع ، وجعل لسليمان في وسطه كرسي . فلما وصلته بلقيس ، قِيلَ لَهَا : ادْخُلِي إلى النبي عليه السلام ، فرأت اللجة وفزعت ، ولم يكن لها بد من امتثال الأمر ، فكشفت عن ساقها ، فرأى سليمان ساقيها سليمتين مما قالت الجن . فلما بلغت هذا الحد ، قال لها سليمان : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ ، وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم . وفي هذه الحكاية زيادة ، وهو أنه وضع سريره في صدره وجلس عليه ، وعكفت عليه الطير والجن والإنس . قال الزمخشري : وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته وثباتا على الدين . انتهى . والصرح : كل بناء عال ، ومنه : ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ « 1 » ، وهو من التصريح ، وهو الإعلان البالغ . وقال مجاهد : الصرح هنا : البركة . وقال ابن عيسى : الصحن ، وصرحة الدار : ساحتها . وقيل : الصرح هنا : القصر من الزجاج ؛ وفي الكلام حذف ، أي فدخلته امتثالا للأمر . واللجة : الماء الكثير . وكشف ساقيها عادة من كان لابسا وأراد أن يخوض الماء إلى مقصد له ، ولم يكن المقصود من الصرح إلا تهويل الأمر ، وحصل كشف الساق على سبيل التبع ، إلا أن يصح ما روي عن الجن أن ساقها ساق دابة بحافر ، فيمكن أن يكون استعلام ذلك مقصودا . وقرأ ابن كثير : قيل في رواية الإخريط وهب بن واضح عن سأقيها بالهمز ، قال أبو علي : وهي ضعيفة ، وكذلك في قراءة قنبل : يكشف عن سأق ، وأما همز السؤق وعلى سؤقه فلغة مشهورة في همز الواو التي قبلها ضمة . حكى أبو علي أن أبا حية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة ، وأنشد : أحب المؤقدين إلى موسى والظاهر أن الفاعل يقال هو سليمان ، ويحتمل أن يكون الفاعل هو الذي أمرها بدخول الصرح . وظلمها نفسها ، قيل : بالكفر ، وقيل : بحسبانها أن سليمان أراد أن يعرفها . وقال

--> ( 1 ) سورة غافر : 40 / 36 .